عبد الرحمن بدوي

200

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

رأى أفلاطون ومن يأتم به ، ما خلا اسقلبيوس « 1 » فإنه يقدّم على الإرادة ، التي من أجلها الفعل ، مقدمات ويرتب ذلك ترتيبا يكون بين العقل وبين السبب الأوّل ما بين العقل وقعر الطبيعة . وإنما أخرج في هذا الكتاب الحكاية عن القوم وأضرب عن البراهين والحجج التي احتجّ بها كل فريق منهم صفحا ، إذ ليس ذلك من جنس الكتاب . وإنما غرض الفيلسوف في إخراج ما يولف به على حقيقة الكون والتركيب ، لا غير ذلك . فمن أراد أن يعرف « 2 » ذلك بالبراهين والحجج والمقاييس فلينظر في كتاب الفيلسوف المنسوب إلى البيان والبرهان ، وفي كتابي المترجم [ 25 ا ] ب « الإيضاح » ؛ فقد أخرجت في هذين الكتابين هذا السرّ العظيم من العلم الكبير المشتمل على العلوم بأصحّ ما تهيّأ وأوضح ما أمكن ؛ ودققت الكلام وأخرجته مخرجا لا تلحقه الآراء اللطيفة إلّا بمشقة وصبر على التبحّر . قال أفلاطون : وإني وإن عجزت عمّا أخبرت فمن الحق أن أقول إني أحطت بما دون ذلك حتى لم يغرب عنى ما أردت . قال أحمد : كما اعترف بالعجز عن إدراك ما فوق العقل ، فكذلك ادعى - ودعواه الحق - أنه لم يفته ما أراد من علم ما دون ذلك . قال أفلاطون : وتساوى عندي القريب والبعيد لما في البعيد من السنن المستوى . قال أحمد : يقول : تساوى عندي إدراك القريب التي هي الطبيعة ، والبعيد الذي هو العقل والنفس ؛ إذ العقل والنفس يجريان على سداد وتساو ، فيكون الرأي أضبط له ، والطبيعة وإن تفاوتت فقد جاورها وقرب منها . قال أفلاطون : ومن أجل العقل والنفس . قال أحمد : المسائل والمناطحات التي تقع في كون العقل لا تقع في كون النفس ، إذ العقل من أجل ما قدمنا . وللمناضلين أن يسألوا عن العلّة التي أوجبت من العلة الأولى ؛

--> ( 1 ) ص : اسقليوس . ( 2 ) مكررة في المخطوط .